الأخبار العقارية

فخ الواجهات الزجاجية.. لماذا تستنزف ميزانيات الطاقة والصيانة؟

تتزايد الدعوات لإعادة النظر فى فلسفة التصميم المعمارى القائم على استخدام الواجهات الزجاجية فى المبانى الحديثة، والعودة إلى حلول أكثر استدامة تتماشى مع البيئة المصرية وتحدياتها المناخية.

ويتمثل أبرز عيوب الواجهات الزجاجية المستخدمة فى مصر، فى تشكل احتباس حرارى داخل المبانى، ما يضاعف استهلاك أجهزة التكييف للطاقة بشكل كبير، خاصة فى الاتجاهات القبلية والجنوبية.

كما تتراكم الأتربة والرمال عليها، ما يؤدى إلى فقدان بريق الواجهة وجماليتها بسرعة، وبالتالى يتطلب عمليات تنظيف متكررة ومكلفة.

وبسبب فارق درجات الحرارة الكبير بين الليل والنهار أو نتيجة حرارة الصيف الشديدة فى مصر، قد يحدث تمدد حرارى يؤدى إلى تشققات مفاجئة فى الزجاج إذا لم يكن عالى الجودة أو مُركباً بشكل احترافى.

وفى ظل التوسع الكبير فى أنماط البناء الحديثة داخل السوق العقارى المصرى، تتصاعد حدة الجدل حول جدوى الاعتماد على الواجهات الزجاجية، بين من يراها رمزاً للحداثة والتطور، ومن يعتبرها عبئاًَ اقتصادياً وبيئياً يتنافى مع طبيعة المناخ المحلى.

«سويدة»: الاتجاه المعمارى الحديث يتبنى الاستدامة ويفضل «الشيش» والتظليل

قال وليد سويدة، رئيس مجلس إدارة شركة الدقة للاستشارات الهندسية، إن انتشار الواجهات الزجاجية فى المبانى الحديثة بالسوق المصرى يشهد تحديات كبيرة على رأسها استهلاك الطاقة لكن هذا الاتجاه بدأ يشهد تراجعاً خلال الفترة الأخيرة.

وأوضح لـ«البورصة»، أن الواجهات الزجاجية تتمتع بعدة مزايا، أبرزها إتاحة الإضاءة الطبيعية، ومنح إحساس بالاتساع، إلى جانب الشكل الجمالى العصرى الذى يفضله كثير من العملاء، مؤكداً أن هذه العوامل أسهمت بشكل كبير فى انتشار هذه الواجهات خلال السنوات الماضية.

أضاف «سويدة»، أن هذه المزايا تقابلها عيوب جوهرية، فى مقدمتها الاستهلاك المرتفع للطاقة؛ إذ تتسبب الواجهات الزجاجية فى دخول كميات كبيرة من الحرارة إلى داخل المبانى، ما يرفع الاعتماد على أجهزة التكييف بشكل ملحوظ، وبالتالى زيادة استهلاك الكهرباء.

وأشار إلى أن تقليل هذه المشكلة يتطلب استخدام أنواع متطورة من الزجاج العازل، وهو ما يرفع تكلفة التنفيذ بشكل كبير، لافتاً إلى أن تكلفة المبانى ذات الواجهات الزجاجية قد تزيد بنحو 30% مقارنة بالمبانى التقليدية.

وتابع: «الاتجاه الحالى فى التصميم المعمارى يتجه نحو تحقيق الاستدامة، من خلال تقليل استخدام الواجهات الزجاجية، والعودة إلى بعض عناصر التصميم التقليدى التى تساعد على تقليل استهلاك الطاقة، مثل استخدام الشيش أو وسائل التظليل المختلفة».

وأوضح «سويدة» أن هناك توجهاً متزايداً نحو نشر ثقافة العمارة الخضراء، التى تعتمد على تحسين كفاءة الطاقة، وزيادة المساحات الخضراء، واستخدام حلول تصميمية مبتكرة تحقق التوازن بين الشكل الجمالى وكفاءة التشغيل.

أضاف أن المرحلة المقبلة ستشهد اعتماد حلول معمارية أكثر استدامة، تراعى البعد البيئى دون تحميل المطورين أو العملاء أعباء مالية كبيرة، مشدداً على أهمية التوعية بأثر التصميم على استهلاك الطاقة وجودة الحياة داخل المبانى.

«القاضى»: النوافذ الزجاجية لا توفر سوى 50% من كفاءة التهوية

وقال الدكتور محمد القاضى، الرئيس التنفيذى لشركة نورم للاستشارات العمرانية، إن الانتشار الواسع للواجهات الزجاجية فى المبانى الحديثة داخل مصر، جاء نتيجة «التقليد الأعمى» للموضة المعمارية المستوردة من أوروبا ودول الخليج، دون مراعاة ملاءمتها للبيئة والمناخ المحلى.

وأوضح لـ«البورصة»، أن هذه الواجهات لا تتوافق مع طبيعة المناخ المصرى، مشيراً إلى أنها تعمل كصوبة حرارية تحتجز الحرارة داخل المبنى، ما يؤدى إلى ارتفاع درجات الحرارة الداخلية وزيادة الاعتماد على أجهزة التكييف.

أضاف «القاضى»، أن هذا التوجه ينعكس بشكل مباشر على استهلاك الطاقة؛ إذ ترتفع فاتورة الكهرباء نتيجة الضغط المستمر على أنظمة التبريد لتعويض الحرارة الناتجة عن الزجاج، مؤكداً أن المشكلة لا تقتصر على التكلفة التشغيلية فقط، بل تمتد أيضاً إلى ضعف كفاءة التهوية داخل الوحدات.

وأشار إلى أن النوافذ الزجاجية لا توفر سوى 50% من كفاءة التهوية، مقارنة بالنظام التقليدى المعروف بـ«الشيش»، والذى كان يتيح تهوية كاملة بنسبة 100% مع تقليل دخول أشعة الشمس المباشرة، وهو ما يجعله أكثر ملاءمة للبيئة المحلية.

وفيما يتعلق بالحلول، أكد أن هناك معالجات معمارية وتقنيات حديثة يمكنها تحسين أداء الواجهات الزجاجية، مثل استخدام كاسرات الشمس، والاعتماد على التصميمات التى تقلل التعرض المباشر، بالإضافة إلى التوسع فى التشجير حول المبانى لخفض درجات الحرارة المحيطة.. لكن هذه الحلول لا يتم تطبيقها بشكل فعّال فى السوق المصرى.

وشدد «القاضى» على أن المبانى التقليدية تظل أقل تكلفة سواء فى الإنشاء أو التشغيل والصيانة، مقارنة بالمبانى الزجاجية، معتبراً أن التوجه نحو التصميمات المتوافقة مع البيئة أصبح ضرورة وليس رفاهية.

وتابع: «استمرار الاعتماد على الواجهات الزجاجية بالشكل الحالى مرهون بغياب أكواد بناء بيئية ملزمة، تأخذ فى الاعتبار الخصائص المناخية لكل منطقة»، مشدداً على أهمية وضع ضوابط واضحة لضمان تحقيق التوازن بين الشكل الجمالى وكفاءة الأداء.

«جادو»: الطراز المعمارى الخديوى استطاع توظيف «الباروك» مع البيئة المصرية

وانتقد عبدالمجيد جادو، الخبير العقارى، التوسع فى استخدام الواجهات الزجاجية بالمبانى الحديثة فى مصر، مؤكداً أنها لا تتناسب مع طبيعة المناخ المحلى، وتمثل عبئاً كبيراً على استهلاك الطاقة وتكاليف التشغيل.

أضاف أن الدعوات المطالبة بالحد من استخدام الواجهات الزجاجية تستحق الإشادة، مشيراً إلى أن الاعتماد المفرط على الزجاج يحوّل الفراغات الداخلية إلى ما يشبه الصوبات الحرارية، نتيجة دخول كميات كبيرة من أشعة الشمس، وهو ما يفرض استخداماً مكثفاً لأجهزة التكييف.

وأوضح «جادو»، أن هذا الاتجاه يتعارض مع مفاهيم الاستدامة والعمارة الخضراء، التى تقوم بالأساس على ترشيد استهلاك الطاقة والمياه، مؤكداً أن التصميم المعمارى يجب أن يراعى البيئة المحيطة والعوامل المناخية لتحقيق الكفاءة والاستدامة.

وأضاف أن انتشار هذا النمط فى مصر يعكس محاكاة غير مدروسة لأساليب معمارية مرتبطة ببيئات مختلفة، لا تتشابه مع طبيعة المناخ المصرى، وهو ما يؤدى إلى فقدان الهوية المعمارية المحلية.

وأشار «جادو» إلى أن العمارة الناجحة تاريخياً كانت دائماً نتاج تفاعل بين الثقافة والبيئة، لافتاً إلى أن الطراز المعمارى الخديوى يُعد نموذجاً بارزاً على ذلك، إذ استطاع توظيف مدارس معمارية أوروبية مثل «الباروك» و«النيو باروك» بما يتناسب مع البيئة المصرية، ليخرج بطابع مميز ومعترف به عالمياً.

كما أن الواجهات الزجاجية لا تقتصر تكلفتها على التنفيذ فقط، بل تمتد إلى أعمال الصيانة الدورية، خاصة أعمال التنظيف، والتى تكلّف مبالغ كبيرة، سواء على مستوى الأفراد أو الدولة، خصوصاً فى المناطق الحديثة مثل القاهرة الجديدة.

أضاف أن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد إعادة النظر فى فلسفة التصميم المعمارى، والعودة إلى حلول أكثر توافقاً مع البيئة المحلية، مثل استخدام وسائل التظليل التقليدية، بما يحقق التوازن بين الشكل الجمالى وكفاءة استهلاك الطاقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى